في Widespheres، ننظر إلى التكنولوجيا بوصفها أداة لإعادة اكتشاف العالم بعيون جديدة. رؤيتنا تقوم على تحليل التحولات التقنية وربطها بتأثيراتها الواقعية على المعرفة الإنسانية. ومع تسارع قدرات الذكاء الاصطناعي، لم يعد دوره مقتصرًا على تحسين الكفاءة، بل أصبح شريكًا في كشف أسرار الماضي وتوسيع حدود الفهم العلمي. ويأتي هذا الاكتشاف الأخير في صحراء البيرو مثالًا حيًا على كيفية اندماج الذكاء الاصطناعي مع البحث الأثري لإعادة كتابة ما كنا نظنه مستحيلًا.
على الهضاب الجافة لصحراء نازكا في جنوب البيرو، يبدو المشهد من مستوى الأرض خاليًا تقريبًا. طبقة من الحجارة الحمراء تغطي التربة الشاحبة، ولا يقطع امتدادها سوى تلال منخفضة ومجاري جافة. لكن من الجو، تظهر خطوط ومنحنيات باهتة رسمها البشر قبل أكثر من ألفي عام. كثير منها تآكل لدرجة تجعل اكتشافه مستحيلًا بالعين المجردة.
على مدى قرن كامل، حاول علماء الآثار رسم خريطة لهذه الأعمال الفنية الصامتة باستخدام الطائرات والكاميرات والمسح الميداني. ورغم الجهود، لم يُكتشف سوى 430 شكلًا تصويريًا عبر مساحة شاسعة تبلغ 629 كيلومترًا مربعًا، بمعدل اكتشاف لا يتجاوز شكلين سنويًا. ومع أن الصور الجوية عالية الدقة حسّنت من فرص الاكتشاف، بقيت آلاف الصور بحاجة إلى تدقيق بشري مرهق.
تغيير قواعد اللعبة: كيف قرأ الذكاء الاصطناعي الصحراء؟
بين سبتمبر 2022 وفبراير 2023، تغيّر كل شيء. فريق بقيادة عالم الآثار ماساتو ساكاي من جامعة ياماغاتا تعاون مع علماء بيانات من IBM Research لإطلاق مسح شامل لصحراء نازكا باستخدام الذكاء الاصطناعي. بدلًا من فحص كل صورة يدويًا، تولى نموذج حاسوبي تحديد المناطق الأكثر احتمالًا لوجود أشكال جديدة.
اعتمد النظام على تقنيات التعلم العميق، ودُرّب على مئات الأمثلة من الأشكال المعروفة. ولتعويض محدودية البيانات، قُسّمت كل صورة إلى أجزاء صغيرة لتوسيع قاعدة التدريب. أنتج النموذج خريطة احتمالية بدقة خمسة أمتار، وحدد 47,410 موقعًا مرشحًا لوجود أشكال غير مكتشفة.
من الذكاء الاصطناعي إلى الخبرة البشرية
بعد ذلك، تولى الخبراء البشر المهمة. باستخدام صور عالية الدقة من الطائرات المسيّرة، جرى تقليص عدد المواقع إلى 1,309 نقطة واعدة. ثم زار الباحثون 341 موقعًا ميدانيًا، واستغرق التحقق منها 1,440 ساعة عمل إضافية.
النتيجة كانت مذهلة: اكتشاف 303 أشكال تصويرية جديدة و42 شكلًا هندسيًا، ليصل العدد الإجمالي للأشكال المعروفة إلى 683.
أنماط جديدة تكشف أسرارًا قديمة
معظم الأشكال المكتشفة حديثًا تنتمي إلى "النمط البارز"، وهي أشكال صغيرة تُنشأ عبر إزالة أو تجميع الحجارة. يبلغ متوسط طولها تسعة أمتار، وغالبًا ما تقع قرب مسارات المشي القديمة. أما الأشكال العملاقة، التي يصل طولها إلى 90 مترًا، فترتبط بمسارات مستقيمة كانت تُستخدم في الطقوس والمسيرات.
تنوّعت الرموز بين البشر، ورؤوس مقطوعة، وحيوانات مستأنسة، بينما فضّلت الأشكال الخطية تصوير الطيور والحيتان والكائنات البرية. ومن أبرز الاكتشافات شكل لحوت قاتل بطول 22 مترًا يحمل سكينًا، وهو رمز معروف من الفخار النازكي.
تسارع غير مسبوق في رسم خريطة نازكا
توضح الدراسة المنشورة في مجلة PNAS أن معدل الاكتشاف ارتفع من 1.5 شكل سنويًا إلى ما يعادل 303 أشكال في موسم واحد، أي تسارع يفوق 16 مرة مقارنة بأفضل الفترات السابقة.
ويؤكد ساكاي أن الذكاء الاصطناعي لا يستبدل العمل الميداني، بل يوجهه بكفاءة أعلى. ولا يزال هناك 968 موقعًا عالي الاحتمالية لم تُفحص بعد، ما يشير إلى أن المزيد من الاكتشافات في الطريق.
يمثل هذا الإنجاز مثالًا واضحًا على الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل طرق البحث العلمي. في Widespheres، نرى أن المستقبل ينتمي إلى المؤسسات التي تجمع بين التحليل العميق والتقنيات المتقدمة لتوسيع حدود المعرفة. وما حدث في صحراء نازكا ليس مجرد اكتشاف أثري، بل دليل على أن الذكاء الاصطناعي قادر على فتح آفاق جديدة في فهم التاريخ، تمامًا كما يفتح آفاقًا جديدة في الأعمال والابتكار. رؤيتنا هي دعم هذا التوجه، وتقديم محتوى وتحليلات تساعد المؤسسات على الاستفادة من هذه التحولات بثقة ووضوح.